يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
223
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
عاقل العقل ولا يدرك بحيطة وهو محيط بكل حيطة ، يشهد الكون من أوّله إلى آخره من حيث علمه يعلم هو وصفه ومشاهدة هي نعته ، لأن كلامه بذلك يخبر بأنه قد كان دليل على شهوده المآل لأنه شهد ما علم كما علم ما به تكلم ، فلم يتفاوت كلامه وعلمه ولم يختلف علمه ، وشهادته قوّته كنه قدرته ، وقدرته دوام بقائه ، نظره سعة علمه ، وعلمه مدّ بصره ، يدرك الأشياء كلها على اختلاف أوصافها بصفة من صفاته ، ثم يدرك بجميع أوصافه ما أدركه بهذه الصفة ، فثبتت بذلك مشيئته أنه علم ونظر وتكلم ، لا يدخل الترتيب في صفاته ، أعني بقبل ولا بعد ، ولا يوقت بحدّ ، ولا يوصف بالتعقيب بقدرته وأحكامه ، أعني : بم ولم ، ولزم بذلك أنه يعلم بنظره وينظر بعلمه ، وصارت الأوائل والأواخر لديه كشيء واحد ، وصارت صفاته كلها آحادا كاملات تامّات غير محدودة للمحدودات ، ولا موقتة مرتبة للموقتات المرتبات ، إذ الترتيب في النعوت من وصف الخلق والأدوات ، رأى خلقه قبل أن يخلقهم ، كما رآهم بعد أن خلقهم ، أدخلهم الجنان قبل أن يطيعوه ، وأدخلهم النار قبل أن يعصوه ، هو أعز من أن تغضبه أعمال خلقه ، لكنه نظر إلى قوم بعين الغضب قبل أن يخلقهم ، فلما أظهرهم استعملهم بأعمال الغضب ، فأسكنهم دار الغضب ، وهو أكبر من أن ترضيه أفعال خلقه ، ولكنه نظر إلى قوم بعين الرضى قبل أن يخلقهم ، فلما أظهرهم استعملهم بأعمال الرضى فأسكنهم دار الرضى ، وكان من هجيرى الشيخ أبي الحسن الكانشي رحمه اللّه : هانوا عليك فعصوك ، ولو أحببتهم لحميتهم عن المعاصي . روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله تعالى : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [ الإنسان : 1 ] يعني كان في علم اللّه أن يكون ، فكأنه علق قوله : لَمْ يَكُنْ شَيْئاً بقوله : مَذْكُوراً ، واللّه تعالى يخبر بما يكون في الدنيا وبما يكون في القيامة وما بعدها ، بلفظ أنه كان لاستواء ذلك في علمه آخرا كالأوّل ، إذ لا ترتيب في العلم ولا حدّ ولا مسافة ولا بعد في القدرة ، وقال تعالى : الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ ( 218 ) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [ الشعراء : 218 - 219 ] يعني : تقلبك في أصلاب الأنبياء ، في صلب نبي بعد نبي حتى أخرجك من ذرّيّة إسماعيل ، واللّه سبحانه عالم بالكون قبل الكون ، ثم أظهر الخلق عالما بعد عالم وقتا بعد وقت ، فجاؤوا على نظره وسمعه وكلامه ، كما كانوا في علمه ومشيئته بغير زيادة ذرّة ولا نقصان خردلة ، سبحانه وتعالى علوا كبيرا . والكلام كثير اختصرته من كتب العلماء وحكم الحكماء .